السيد نعمة الله الجزائري

190

نور الأنوار في شرح الصحيفة السجادية

الخلاص من العقاب أو هما معا ، وثالثها فعلها شكرا للنعم واستجلابا للمزيد ، ورابعها فعلها حياء منه تعالى ، وخامسها فعلها تعظيما له ومهابة وانقيادا وإجابة ، وسابعها فعلها موافقة لإرادته وطاعة لأمره ، وثامنها فعلها لكونه تعالى أهلا لها كما ورد به الحديث المشهور وهو قوله ما عبدتك خوفا من نارك الحديث ، ولا خلاف في بطلان العبادة بالغاية الأولى كما لا خلاف في صحتها لهذه الغاية ، وقد اختلف في صحة العبادة وبطلانها عند قصد غيرهما من الغايات فجمهور أصحابنا على بطلان العبادة سيما عند قصد الغاية الثانية لأن قاصدها بزعمهم إنما قصد جلب النفع إلى نفسه ودفع الضرر عنها ، وقد بالغ الزاهد ابن طاوس في بطلان العبادة عند هذا القصد ، والذي أذهب إليه وأتكل عليه هو صحة العبادة بكل هذه الغايات ما عدا الأولى وإن ذهب علم الهدى إلى صحة العبادة أيضا عندها وإجزائها لكنها غير مقبولة ولا يترتب على فعلها ثواب وإنما فائدتها إسقاط القضاء ، وللبحث معه محل آخر وقد أقمنا على ما ذهبنا إليه دلائل كثيرة حررناها في شرحنا على تهذيب الحديث ونكتفي هنا بذكر بعض : منها أنهم زعموا أن النية عبارة عن ذلك القصد وقد عرفت أنه في غاية السهولة وليس الأمر كذلك فإن مدار الثواب والعقاب إنما هو عليها بالمعنى الثاني . ومنها أن الكتاب والسنة قد اشتملا على الرغبات المختلفة على فعل العبادات وعلى المرهبات على تركها ، وذلك لأنه تعالى قد علم اختلاف طباعنا وميولنا فتارة يرغبنا بالحور الحسان وأخرى بالغلمان والصبيان وتارة بالشراب الطهور وأخرى بالمنازل والقصور ، ويخوفنا تارة بالعقارب والحيات وأخرى بالزفير والندامات ، لأن كلا منا يرغب في شيء ويهرب عن آخر كالطفل الصغير ، فلو لم تكن لمثل هذه المرغبات والمرهبات دواعي صحيحة وبواعث صريحة لما أحسن ذكرها في مقام طلب الطاعات . ومنها أن إرادة الثواب والخلاص من العقاب لا تنافي قصد كونه أهلا عند التحقيق بل هو من أفراده لأنهما مسببان عن رضاه وسخطه فطالبهما طالب له تعالى فإن من سمع بإحسان من محسن فعمل له حصل له القرب إليه لامتثاله أمره وحينئذ فتصح بعض العبادات المأمور به لقصد الأغراض الدنيوية كتحصيل الأموال والأولاد لأن الشارع جعلها غاية وهو لا ينافي الإخلاص كما عرفت .